ابن عربي

144

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

رضوى : فيه تنبيه من مقام الرّضى ، روضة : أصنافا من العلوم ، ومناخا : مبرك الإبل ، وهي الهمم ، فإن به مرعى أي غذاء الأرواح وفيه نفاخا يريد صفاء العيش : وقوله : عسى أهل ودي يريد إشكاله يبلغ الهمم ما هو عليه هذا المحل الأعلى من الخصب فيتخذونه مربعا لهممهم ، ومناخا ومحلا لحطّ رحالهم لوجود راحة من تعب السفر المعنوي ، فإنّ الأسرار قد تكل ، ولا سيما إذا كانت حركاتها في طريق الاستدلال ثم قال : فإنّ لنا قلبا بهنّ معلّقا * إذا ما حدى الحادي بهنّ أصاخا « 1 » وإن هم تنادوا للرّحيل وفوّزوا * سمعت له خلف الركاب صراخا فإن قصدوا الزّوراء كان أمامهم * وإن يمّموا الجرعاء ، ثمّ أناخا « 2 » يقول عن أشكاله الذين تقدموه إلى مقصوده : إنّ له قلبا معلقا بهم وقد كان تعلقه بالأسرار ، ويريد بالرحلة رحلتها عنه في وقت غفلاته ورجوعه إلى حظوظه ، وقوله : إذا ما حدى الحادي بهنّ أصاخا يقول : إذا ما دعى داعي الحق بهم إليه أصاخ هذا القائل المحب لذلك الدعاء يقول : وإن هم تنادوا أي يصيح بعضهم لبعض : الرحيل ، من قوله تعالى : وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى [ المائدة : 2 ] ، وفوزوا : أي طلبوا الفوز في مقام التجريد ، سمعت له : يعني قلبه خلف الركاب يعني الهمم والقلوب الراحلة عن أبدانها ، صراخا : يريد بكاء عاليا ، وإن قصدوا الزوراء حضرة القطب وسميت زوراء لميلها إلى جانب الحق المشروع ، كان أمامهم يعني بهمته وقلبه لا بعمله ، فإنه يعجز عنهم فليس للعاجز إلّا تقدم التمني ، وإن يمموا قصدوا الجرعاء موطن المجاهدات وتجريع الغصص فإنه سلوك عن حجاب ، ثم أناخا يقول : يقيم لا يبرح لأنه لا يطيق حمل تلك المشاق ، وقد يريد أيضا بقوله ، ثم يعني الجرعاء إنه يقيم في مواطن المجاهدات الشاقة من أجل نيل مقصوده . ثم قال : فما الطير إلا حيث كانوا وخيّموا * فإنّ له في حيّهنّ فراخا تحارب خوف لي وخوف من أجلها * وما واحد عن قرنه يتراخى إذا خطفت أبصارنا سبحاتها * أصمّ لها صوت الشّهيق صراخا « 3 » يقول : ما تقصد الهمم إلا المواطن التي تناسبها بحكم الأصل فالعارف أبدا حنينه

--> ( 1 ) أصاخ له : أصغى واستمع . ( 2 ) الزوراء : مدينة بغداد . ( 3 ) في نسخة أخرى : صماخا .